"أحلام لا تتحقق ولا تموت"
ما السبب وراء تكرار بعض الأحلام بصورة غريبة؟ ما الذي يجعلها تلازمنا وان لم نرغبها؟
ليست كل الأحلام متساوية.. بعضها يأتي كضوء خافت ثم ينطفئ مع اول منعطف، وبعضها يزرع جذوره بداخلنا ثم يأبى الرحيل.
لا اعرف كيف ولماذا يحدث ذلك، لكن هناك أحلامًا تُصّر على البقاء وإن تظاهرنا بالنسيان، تعود الينا في كل مره بنفس الوجوه، نفس الأماكن ونفس الكلمات المعلّقة على حافة الصمت، كما لو ان العقل يتعمد الإعادة في اكثر لحظة لا نكون مستعدين فيها.
لماذا تتكرر بعض الأحلام؟ لماذا تعود حتى بعد مرور عدة سنوات؟
ما الذي يجعلها تلتصق بنا، تتسرب الى نومنا وحتى في وعينا؟ تنتظرنا على باب كل ليلة، على عتبة كل غفوة.
ربما لأنها لم تنتهِ، لم تكتمل ولم تذبل كذلك، ورغم دفنها المتكرر الا انها لم تمُت، لأن العقل لا ينسى الاشياء التي نحاول طمسها، يضعها في زاوية هادئة ثم يخرجها فجأة.
تتكرر الأحلام وكأنها ترغب في قول شيء، شيء نرفض سماعة ونحن مستيقظون، تُصر على البقاء، لأنها لم تجد مساحة في يقظتنا.
كُنت أظن ان تكرار الأحلام هي لعنة تحل على صاحبها فتفقده حلو الحياة، لكنها ليست كما تبدو، فقد تكون محاولة متأخرة من النفس لتفهم نفسها، وربما لتذكرنا ان ما ندفنه لا يموت..بل يعود إلينا متنكرًا في هيئة حلم.
احيانا الاحلام لا تحتاج الى تفسيرها، بل تحتاج الى شجاعة لننظر داخلها، ان نعرف ما نخشى معرفته، لنتساءل لماذا هذا الحلم؟ ولماذا الان؟ ربما لا نجد الجواب، لكن مجرد طرح السؤال يُعد بداية النجاة.
والغريب حقيقة ً ان بعض الاحلام التي تلازمنا لا تخصنا بالكامل.
نحلم بأشخاص خرجوا من حياتنا منذ زمن، أماكن عبرناها، مواقف لم نعرف سبب ثقلها، فنستيقظ متساءلين! لماذا الان!
ما الذي يجعل شخصًا لم أعد افكر فيه يعود؟
لماذا هذا المشهد تحديدًا؟ ونظن أن أمرًا كهذا عشوائي، الاّ انه ابعد ما يكون عن العشوائية.
العقل لا يستدعي صورًا قديمة الا عندما تكون مرتبطة بحاضر الان، ربما نُشبه ذواتنا القديمة دون ان نلاحظ، ربما نشعر بشيء من الخذلان القديم، او الحنين الاول، او حتى الندم الذي لم نُسمّه ندمًا.
لذلك تظهر تلك الصور القديمة، كمرايا مُهشمة لا تعكس ما نحن عليه بل ما عدنا اليه دون وعي منّا.
ربما ما يجعل بعض الأحلام تلازمنا رغمًا عنّا هو اننا لا نحاول فهمها بل نسعى لدفنها والتخلص منها.
وهذا ما يجعل كل محاولة للهرب منها، تؤجل عودتها فقط، وكل محاولة لدفنها تجعلها تنمو في الأعماق بصمت.
وحين نملك الشجاعة لمواجهة الحلم، حين نتوقف عن سؤاله لماذا تعود؟ ونبدأ بسؤاله ماذا تريد ان تقول؟
ببساطة قد ينتهي.. قد يتلاشى، دون ان يحدث ضجيج الرحيل.
أجل بعض الاحلام لا تأتي لتعذيبنا بل تأتي لإنقاذنا، لإنقاذ جزء كان بحاجة الى ان يُسمع ، ان يُفهم، وان يتم احتضانه ولو من خلال الحلم.
في النهاية لا شيء يلازمنا بلا سبب
فلعّل الحلم المتكرر ليس لعنة، بل فرصة للتشافي .

