" ما بين الشك واليقين..تفكيك رحلة الارتداد والرجوع إلى الاسلام "
تعد ظاهرة ترك الدين ثم العودة إليه مجدداً من الظواهر التي تثير الكثير من التساؤلات في المجتمعات الإسلامية. وعندما نرى شخصاً يرتد عن الإسلام ثم يعود إليه، يتبادر إلى الأذهان سؤال جوهري: هل كان هذا الشخص غير مؤمن بوجود الله أصلاً وتملّكه الإلحاد، أم أن الأمر لم يكن سوى "كبوة نفسية" ونزوة شيطان عابرة؟
الحقيقة والواقع، مدعومين بالدراسات النفسية والشرعية، يخبراننا أن الإجابة ليست "أبيض أو أسود"؛ فالناس يختلفون في دوافعهم، ويمكن تقسيم هؤلاء العائدين إلى فئات رئيسية تلخص طبيعة تجربتهم.
1: فئة "الارتداد الفكري" (هل كانوا منكرين لوجود الله؟)
في كثير من الأحيان، لا يكون الشخص العائد منكراً لوجود الله (ملحداً بالمعنى المطلق) أثناء فترة تركيزه للإسلام، بل يكون قد مرّ بحالة تُعرف بـ "اللاأدرية" أو الشك الحائر.
• شبهات فكرية لم تجد جواباً: قد يمر الإنسان بأسئلة وجودية عميقة (مثل: لماذا يوجد الشر في العالم؟ أو أسئلة حول القضاء والقدر) ومع غياب التوجيه السليم أو الخوف من طرح الأسئلة، تتحول هذه الشبهات إلى حاجز بينه وبين ممارسة الدين.
• إنكار الفهم الخاطئ للدين لا الدين نفسه: بعضهم يرتد نتيجة صدمة من "ممارسات المتدينين" أو بسبب أفكار متشددة رُبطت بالدين زيفاً. عندما يبتعدون، يكتشفون لاحقاً أن المشكلة كانت في "الفهم البشري" للدين وليس في وجود الله أو في حقيقة الإسلام، فيعودون بعد رحلة بحث واعية.
2: فئة "نزوة الشيطان" والضغط النفسي والاجتماعي
في حالات أخرى، لا يكون الارتداد ناتجاً عن قناعة فكرية برفض وجود الله، بل يكون أقرب إلى ما وصفه السائل بـ "نزوة الشيطان"، والتي يمكن تفسيرها علمياً وشرعياً كالآتي:
• الاندفاع وراء الشهوات (الارتداد السلوكي): قد يمر الشاب أو الفتاة بمرحلة يضعف فيها الإيمان أمام مغريات معينة، فيشعر أن التكليفات الشرعية تقيد حريته. هذا الابتعاد يكون هروباً مؤقتاً من "الالتزام" وليس جحوداً بالخالق.
• الضغط النفسي والبيئي: يمر بعض الأفراد بأزمات نفسية حادة (كفقدان شخص عزيز، أو صدمة حياتية) تؤدي بهم إلى حالة من السخط المؤقت والصراع مع الذات، فيعلن ترك الدين كرد فعل انتقامي أو غاضب، وما إن تهدأ العاصفة النفسية حتى يعود إليه رشده ويستغفر ربه.
3. النظرة الشرعية الإسلامية لرحلة العودة
القرآن الكريم والسنة النبوية لم يغفلا طبيعة النفس البشرية وتقلباتها؛ فالله تعالى يفتح باب التوبة دائماً، بل إن عودة المرتد إلى الإسلام تعد من أعظم صور التوبة.
•رحابة باب التوبة: يقول الله تعالى في سورة آل عمران:
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 89]
وهذا دليل صريح على أن باب العودة مقبول ومفتوح لمن أصلح نيته.
•مفهوم "زيادة الإيمان ونقصانه": يقرر أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد ينقص في بعض الحالات الحرجة حتى يوشك أن يزول، لكن "الفطرة" الكامنة في نفس الإنسان (الاعتراف بالخالق) تظل كالجمر تحت الرماد، تنير مجدداً عندما يشاء الله له الهداية.
لا يمكننا تعميم حكم واحد على كل من ارتد ثم عاد؛ فبعضهم عانى من أزمة هوية وفراغ فكري قاده للشك في كل شيء بما في ذلك وجود الله، وبعضهم الآخر كان ضحية ضعف نفسي، أو نزوة، أو غضب مؤقت مع بقاء أصل الإيمان بالله في قلبه.
الشيء الإيجابي والمشترك في النهاية، هو أن "رحلة العودة" غالباً ما تجعل إيمان هؤلاء الأشخاص أقوى وأعمق بعد العودة؛ لأنهم اختاروا الإسلام هذه المرة عن قناعة، وبحث، وتجربة شخصية، وليس مجرد وراثة اجتماعية.


اتمنا اعرف رايكن
https://emberkemeijr.substack.com/p/4f3