النصوص التي تُكتب ولا تُنشر
هـَتّار
ما الذي يجعلنا نكتب ونخفي ما كتبناه؟ هل لأنه حقيقة؟ او أنه ضعف؟
ليس كل ما يُكتب يُنشر وليست كل الكلمات كُتبت لتقال، هناك نصوص كُتبت بيد مرتجفة، بقلبٍ عار، بعقل ممتلئ بالألم، ثم أُغلقت وكأنها جريمة لا يقوى صاحبها الوقوف امام محكمة النشر.
هذه هي النصوص التي لا تُنشر لأنها ليست للآخرين، بل هي بمثابة عزاء لصاحبها.
هذه النصوص لا تحتاج إلى جمهور يُصفق، ولا قارئ يقوم بتقييمها، ما تحتاجه هو حضن داخلي دافئ يُنقذ صاحبها من الغرق والانهيار الكامل، هي التي تُكتب في لحظات من الضعف او لحظات من الصفاء الكامن.
قد تكون اعتراف مُختبىء، رسالة لم تُرسل، حب ضاق به صاحبة فهرّبة نحو الورق، وربما تكون مجرد محاولة، محاولة للقول "أنا هنا، إنني أحتضر" دون ان يسمع أحد.
بعض النصوص تُكتب لكي تُفرّغ فقط وتكون بمثابة طوق نجاة.
هناك دفاتر كاملة مغلقة، لا يفتحها كاتبها الا في اوقات نادرة، حين يشتاق الى ذاته القديمة وعندما يرغب في العودة لها ومحادثتها، وبعضها يبقى مغلقًا الى الأبد.
ما الذي يمنع من نشرها؟ ربما نوع من النضج وربما هو الخوف من تبعاتها، نتساءل من الذي سيقرأ هذا؟ من الذي سيفهم مقدار الألم المتأصل وراءها، دون ان يكون الدافع هو اسئلة سخيفة عن دوافع النص او ما المقصود به.
إنّ هذه النصوص هي ندبات في القلب ولمسها والسؤال عنها مجرد اقتحام يُدميها.
إنّ أجمل ما تحمله هذه الكلمات أنّها صادقة اكثر من اللازم، متورطة بذاتها، لا تبحث عمّن يُعجب بها، ولا تقوم بتركيب النهايات وكأنها قصة متقنة، فقط تنزف كما هي وهذا ما يجعلها مرعبة بقدر جمالها.
دائمًا أرى أنّ أثمن كلماتي هي التي لم يقرأها أحد، لأنني عندما كتبتها كنت أبحث عن ذاتي لا عن الآخرين.
وكم من نص لم يُنشر لأنه موجّه لشخص لم يعد موجود، او ما عاد يعني لنا ما كان يعني. هذا النوع من النصوص أُفضّلها لأنها تُشبه النّفَس العميق بعد النجاه، او صرخة خافتة في العتمة، النصوص التي تعلمك أن الكتابة ليست دائمًا للمشاركة فأحياناً تكون مجرد طقوس للنجاه، او خريطة تسترشد بها الذات عندما تتوه.
رُبما يومًا ما نمتلك الجرأة الكافية لنخرج تلك الكلمات للضوء، ليس بحثًا عن الاعجاب بل للقول بأن هذه كانت حقيقتي وهذا كان قلبي حين لم يراه احد ورُبما لا نفعل ذلك ونبقى نكدسها في زوايا مظلمة في دفاترنا وجزء من وعينا، لأن بعض الكلمات لا تروى الا للورق وبعض القصص خُلقت لتُحكى بصمت.
