"أصل الشر: من أين ينبع؟ وما الذي يجعل الإنسان يمتلئ به؟"
منذ مدة وانا احمل هذا العنوان في ذهني، يدفعني الفضول للتعمق فيه مرارًا.
سبق وان طرحته من قبل وكانت بعض الردود تستحق التقدير، الاّ ان رغبة داخلية لم تهدأ بعد، تدفعني بإستمرار لاكتشاف زوايا اخرى، قمت بإجراء بحث بسيط مؤخرًا ووجدت ان مشاركته معكم ليست مجرد خيار بل شعرت انها ضروره.
منذ الأزل، والإنسان يطرح على نفسه سؤالًا وجوديًا عميقًا: لماذا يوجد الشر؟
هل هو جزء من طبيعتنا؟ أم نتيجة للظروف؟
وهل نحن ضحاياه أم صانعوه؟
هذا المقال محاولة للتأمل في أصل الشر في النفس البشرية، في ضوء الفلسفة، وعلم النفس، والدين الإسلامي
أولًا: الفلاسفة وأصل الشر
• أفلاطون رأى أن الشر هو نتيجة الجهل، وأن الإنسان الشرير لا يدرك الخير الحقيقي.
• أما أرسطو فكان أكثر واقعية، واعتبر أن الشر ينبع من الغرائز البشرية إذا لم تُضبط بالعقل.
• جان جاك روسو قال في كتابه “العقد الاجتماعي” أن الإنسان يولد طيبًا بطبعه، وأن المجتمع هو الذي يفسده.
• بينما يرى نيتشه أن الشر والخير ليسا قيمًا مطلقة، بل مفاهيم ابتكرها الضعفاء لتحجيم الأقوياء.
Plato, The Republic, Book VII
Jean-Jacques Rousseau, Du contrat social, 1762
Friedrich Nietzsche, On the Genealogy of Morality, 1887.
ثانيًا: الشر في علم النفس
وفقًا لعلم النفس الحديث، لا يولد الإنسان شريرًا، لكن:
• التجارب المؤلمة مثل الإهمال أو الإساءة في الطفولة، تزرع الغضب والخوف والحقد.
• الصدمة النفسية قد تعيد تشكيل صورة العالم في ذهن الإنسان، فتبرر له القسوة.
• يرى عالم النفس فيكتور فرانكل، مؤسس العلاج بالمعنى، أن الإنسان قادر على مقاومة الشر باختياره لمعنى الحياة، حتى في أقسى الظروف (كما في معسكرات الاعتقال النازية).
Frankl, Viktor. Man’s Search for Meaning, 1946
Bandura, Albert. Moral Disengagement: How People Do Harm and Live with Themselves, 2016
ثالثًا: الشر في ضوء الإسلام
في العقيدة الإسلامية، الشر موجود في العالم لحكمة، لكنه ليس فطرة خالصة في الإنسان، بل اختبار لإرادته ومجال لحرية اختياره بين الخير والشر.
1. الشر داخل النفس
قال الله تعالى:
“إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي”
(سورة يوسف: 53)
أي أن الأصل في النفس أنها تميل إلى الشهوات والشر، ما لم يُهذّبها الإيمان والتقوى.
2. الشيطان كوسيط للشر
قال الله عز وجل:
“إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا”
(سورة فاطر: 6)
فالشر أحيانًا ليس نابعًا من الإنسان فحسب، بل هو نتاج استجابة لوساوس الشيطان.
3. الحرية والمسؤولية
قال تعالى:
“وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ”
(سورة البلد: 10)
أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر، وأعطيناه حرية الاختيار، وجعل عليه مسؤولية النتائج.
4. الحديث النبوي الشريف
قال النبي ﷺ:
“ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه.”
رواه البخاري (رقم: 1385)
يدل الحديث أن الفطرة نقية، والشر يتسلل لاحقًا عبر التربية والبيئة.
رابعًا: ما الذي يجعل الإنسان يمتلئ بالشر؟
1. الألم غير المعالج
الإنسان المجروح، إذا لم يُحتضن ألمه، قد يتحول إلى مؤذٍ لغيره، كوسيلة لا شعورية للانتقام من العالم.
2. السلطة دون وازع
كما قال النبي ﷺ:
“إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة.”
قيل: كيف إضاعتها؟ قال: “إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله.”
رواه البخاري (رقم: 6496)
السلطة إذا اجتمعت مع الجهل أو الطغيان، كانت سببًا رئيسيًا في انتشار الظلم والشر.
3. الخوف والضعف الداخلي
أحيانًا يظن الإنسان أن الشر هو وسيلته الوحيدة للنجاة أو السيطرة، فيرتكبه بدافع الخوف، لا القسوة.
4. اللامبالاة وتبلّد الضمير
الشر ليس فقط القتل أو الإيذاء، بل قد يكون أيضًا في السكوت عن الحق، أو في تجاهل معاناة الآخرين.
قال تعالى:
“كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ”
(سورة المائدة: 79)
خامسًا: هل يمكن تطهير النفس من الشر؟
نعم.
القرآن الكريم يعِد بأن من يسعى لتزكية نفسه فإنه سيجد الفلاح:
“قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”
(سورة الشمس: 9-10)
وأنّ التوبة الصادقة، والعمل الصالح، ومحبة الخير للناس، تهذّب الروح وتضيّق مساحة الشر داخل الإنسان.
الشر ليس لغزًا وجوديًا بقدر ما هو نتيجة لاختلال داخلي في النفس البشرية. يولد الإنسان بقلبٍ قابل للخير والشر، لكن ما يملؤه هو حصيلة ما عايشه، وصدق ما آمن به، وقوة ما اختاره.
وكلّما ازدادت رحلتنا في الداخل صدقًا، كلما عرفنا أننا نحمل المفاتيح لكبح الشر، لا في العالم فحسب، بل في دواخلنا أولًا.

